تسعى أبوظبي إلى توسيع حضورها في ألمانيا في وقت تمر فيه الصناعة الألمانية بمرحلة إعادة هيكلة واسعة، إذ لا تزال أكبر قاعدة صناعية في أوروبا تضم شركات تتمتع بقدرة تنافسية عالمية، إلى جانب خبرات هندسية متقدمة وبراءات اختراع ومراكز بحثية وشبكات عملاء تراكمت على مدار عقود. ويرصد تقرير «نون بوست» دوافع الاستثمار الإماراتي الضخم في الاقتصاد الألماني، والقطاعات التي تستهدفها أبوظبي، وما يمكن أن تحققه هذه الاستثمارات من مكاسب صناعية وتكنولوجية للإمارات.


وتعاني قطاعات رئيسية في الاقتصاد الألماني، بينها الصناعات الكيماوية والسيارات والهندسة الميكانيكية والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، ضعف الاستثمارات وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة التنافسية أمام الصين، ما يفتح المجال أمام رؤوس الأموال الأجنبية للاستحواذ على أصول وخبرات يصعب بناء بدائل لها من الصفر.

 

وفي سبتمبر 2026، أعلن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان والمستشار الألماني فريدريش ميرتس حزمة استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع توقيع 29 مذكرة تفاهم واتفاقية تجارية تتجاوز قيمتها 9.356 مليار يورو.
 

وأطلق بن زايد، خلال زيارته إلى ألمانيا، حوارًا استراتيجيًا بين البلدين، إلى جانب إنشاء مجلس ألماني إماراتي للاستثمار، بما يوفر إطارًا مؤسسيًا يتجاوز الصفقات المنفردة ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية الرقمية.
 

وتكشف وجهة هذه الأموال عن جانب أساسي من الرهان الإماراتي، إذ تستهدف أبوظبي قطاعات قادرة على تزويدها بالخبرات الصناعية والتكنولوجية التي تحتاج إليها لبناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على التصنيع والتكنولوجيا.
 

 

أين تضخ الإمارات استثماراتها في ألمانيا؟
 

توضح الاتفاقيات الأخيرة أن الاستثمارات الإماراتية تتجه بصورة أساسية إلى الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية الرقمية. وخصصت أبوظبي 10 مليارات يورو لولاية بافاريا جنوبي ألمانيا، التي تضم ميونخ وتعد من أبرز المراكز الصناعية والتكنولوجية في البلاد، بالتوازي مع توقيع 29 مذكرة واتفاقية تجارية تتجاوز قيمتها 9.356 مليار يورو، وخطط لإنشاء مراكز بيانات بقدرة إجمالية تقارب جيجاوات واحدة.


وتقدم شركة «كوفسترو» الألمانية المتخصصة في المواد المتقدمة والكيماويات أوضح مثال على نوعية الأصول التي تستهدفها أبوظبي. واستحوذت «XRG»، التابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، على الشركة في نهاية 2025 في صفقة قدرت قيمتها بنحو 15.9 مليار يورو، شاملة الديون، إلى جانب زيادة رأسمالية بنحو 1.17 مليار يورو.


وتملك «كوفسترو» شبكة إنتاج عالمية وخبرات في المواد المتخصصة والبولي كربونات ومكونات البولي يوريثان، فضلًا عن عقود من البحث والتطوير وتقنيات العمليات الصناعية.


وقال راينر زيله، الذي كان يقود أعمال الكيماويات العالمية في «XRG»، في مقابلة نشرتها صحيفة «هاندلسبلات» الألمانية المتخصصة في الأعمال في ديسمبر 2025، إن «كوفسترو» أضافت إلى محفظة المجموعة «ريادة تكنولوجية».


كما وصفت صحيفة «فايننشال تايمز» الشركة، خلال عملية الاستحواذ، بأنها أصل استراتيجي يجمع قدرات البحث والتطوير بالمواد المتقدمة التي يُتوقع استمرار الطلب عليها، ما يجعل الخبرة والتكنولوجيا في قلب قيمة الصفقة بالنسبة إلى المشتري الإماراتي.


ويتوسع الحضور الإماراتي كذلك في قطاع الطاقة عبر «أدنوك» و«XRG» وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل، التي عمقت تعاونها مع شركة «RWE» الألمانية، إحدى كبرى شركات الطاقة في البلاد، وشركة «SEFE» لتجارة الطاقة المملوكة للدولة الألمانية.


وتشمل الاتفاقيات الغاز الطبيعي المسال والأمونيا منخفضة الكربون، إلى جانب طاقة الرياح البحرية وتخزين الكهرباء. وقدرت «أدنوك» أن اتفاقيات الطاقة والصناعة يمكن أن تفتح المجال أمام استثمارات تتجاوز 5 مليارات يورو.


وتمنح هذه الاستثمارات أبوظبي موطئ قدم في التحول الذي تعيد برلين من خلاله بناء منظومة الطاقة الألمانية بعد صدمة إمدادات الغاز الروسي. ويرتبط الحضور الإماراتي بإمدادات تحتاج إليها الصناعة الألمانية في الوقت الراهن، وبأصول يُنتظر أن توفر الطاقة للمصانع ومراكز البيانات مستقبلًا.
 

وتضع الإمارات 40 مليار يورو في قلب الصناعة والطاقة والبنية التحتية الرقمية الألمانية. ومع تحول ألمانيا تدريجيًا نحو الاعتماد بصورة أكبر على الكهرباء والطاقة منخفضة الكربون، تسعى أبوظبي إلى الحفاظ على حضورها في سوق صناعية كبرى عبر الاستثمار في البنية التحتية التي تستند إليها هذه المرحلة الانتقالية.
 

وتشمل الحزمة كذلك مراكز بيانات بقدرة تقارب جيجاوات واحدة، إلى جانب التعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة والبحث والتطوير واستضافة البيانات. كما تضم شراكات مع «سيمنس»، المجموعة الألمانية الكبرى في الصناعة والتكنولوجيا، و«بوش» المتخصصة في الهندسة والتكنولوجيا.
 

وتقرب هذه الاستراتيجية أبوظبي من تقنيات الأتمتة وأنظمة الطاقة والتحكم والذكاء الاصطناعي الصناعي، وهي تقنيات أصبحت أكثر ارتباطًا بتشغيل المصانع الحديثة ورفع كفاءتها.
 

ويضيف تخصيص 10 مليارات يورو لبافاريا بُعدًا آخر للاستراتيجية الإماراتية، فالولاية تضم تجمعات كبرى في قطاعات السيارات والطيران والهندسة والبرمجيات والطاقة. وربط الإعلان الإماراتي هذه الأموال بالتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأمن الطاقة وتبادل المعرفة.
 

ويضع هذا التركيز رأس المال الإماراتي داخل منظومة تجمع البحث والتطوير والتصنيع والموردين وشركات قادرة على المشاركة في مشروعات جديدة داخل أوروبا ودول الخليج.

 


لماذا تتحرك أبوظبي الآن؟


تأتي التحركات الإماراتية في وقت تواجه فيه الصناعة الألمانية ضغوطًا ممتدة على مستوى الاستثمار والطاقة والقدرة التنافسية. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أن القيمة المضافة الحقيقية للصناعات التحويلية تراجعت في 2025 للعام الثالث على التوالي، بينما انخفض إنتاج الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة بنحو 17.8% مقارنة بمستواه في 2021.


وفي قطاع الصناعات الكيماوية، الذي تنشط فيه «كوفسترو»، قالت الجمعية الألمانية للصناعات الكيماوية إن الإنتاج تراجع 3.3% خلال 2025، بينما بلغ متوسط استخدام الطاقة الإنتاجية في المصانع 72.5%، في ظل ضغوط تكاليف الإنتاج والمنافسة والواردات.


ووصف أوليفر فالك، رئيس مركز التنظيم الصناعي والتكنولوجيات الجديدة في معهد «إيفو» الألماني للبحوث الاقتصادية، ضعف الاستثمار بأنه مشكلة هيكلية تواجه الصناعة. وأشار في تقييم نشره في 24 يوليو 2026 إلى أن تراجع الاستثمار في قطاعي السيارات والهندسة الميكانيكية يفوق التوسع المسجل في الصناعات الدوائية وأشباه الموصلات، فيما ظلت نوايا الاستثمار الصناعي محدودة خلال 2026.


وتوفر هذه البيئة فرصة أكبر للمستثمرين القادرين على ضخ رؤوس أموال ضخمة على مدى فترات طويلة، خصوصًا في المشروعات والأصول التي تجد الشركات المحلية صعوبة في تمويلها بالسرعة المطلوبة.


ويظهر الفارق ذاته في التحول الأخضر. وأظهرت أبحاث أجراها بنك التنمية الألماني أن استثمارات الشركات الموجهة للمناخ تراجعت بنحو 8% إلى 80 مليار يورو في 2024، بينما بلغ التراجع لدى الشركات الكبرى 18.5%، في ظل ضغوط التمويل وطول إجراءات الترخيص والمنافسة الدولية.


وفي الوقت نفسه، رفعت أزمة الطاقة منذ 2022 تكاليف تشغيل الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، ما جعل الأموال الإماراتية أكثر جاذبية لاقتصاد يحاول تحديث مصانعه وتوسيع شبكات الطاقة وبناء قدرات جديدة في مجالي البيانات والذكاء الاصطناعي.


وتضغط الصين على النموذج الصناعي الألماني من اتجاه آخر. ففي 2025، استعادت الصين موقعها كأكبر شريك تجاري لألمانيا، وحافظت على الصدارة خلال النصف الأول من 2026، بينما اتسع فائضها التجاري في العلاقة الثنائية.


ويربط البنك المركزي الألماني جزءًا من تراجع حصة ألمانيا في الأسواق الخارجية بارتفاع القدرة التنافسية للمصنعين الصينيين، ما يزيد حاجة الشركات الألمانية إلى أسواق نمو وشركاء قادرين على فتح أبواب خارج أوروبا. وفي المقابل، تقدم الإمارات نفسها بوصفها منصة تربط الخليج بالهند وآسيا وأفريقيا.
 

ويتقاطع احتياج الصناعة الألمانية مع تصاعد المنافسة الخليجية على الشركات الأوروبية والأصول التي توفر التكنولوجيا والخبرات والوصول إلى الأسواق.
 

وفي دراسة نشرها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في فبراير 2026، قال شتيفان رول، الباحث البارز في المعهد، إن صناديق الثروة السيادية السعودية والإماراتية والقطرية توسع هامش تحرك دولها عبر الاستثمار في الصناعة والتكنولوجيا والدفاع والعلاقات الاقتصادية، مشيرًا إلى اختلاف مصالح الدول الثلاث وإمكانية ظهور منافسة واضحة بينها في نشاطها الاستثماري.
 

وسبق أن قطعت قطر شوطًا طويلًا في بناء حضور داخل كبرى الشركات الألمانية، إذ تمتلك هيئة قطر للاستثمار نحو 17% من حقوق التصويت في «فولكسفاجن»، أكبر شركة لصناعة السيارات في ألمانيا، ونحو 3% في «سيمنس»، إلى جانب استثمارات أخرى في التكنولوجيا والصناعة والقطاع المالي.
 

وفي المقابل، يوسع صندوق الاستثمارات العامة السعودي حضوره في قطاعات النقل والصناعة والتكنولوجيا الأوروبية عبر حصص في شركة «هاباج لويد» للشحن، و«ثيسنكروب نوسيرا» للهيدروجين، و«TK Elevator» وغيرها من شركات النقل والتكنولوجيا.
 

وقال ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، في يونيو 2026، إن الصندوق ضخ 98 مليار يورو في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بين 2017 و2025، مع فرص أوروبية متوقعة تتجاوز قيمتها 10.4 مليار يورو حتى 2030.
 

وتضع هذه الأرقام الحزمة الإماراتية في إطار منافسة خليجية أوسع على مواقع مؤثرة داخل الشركات والصناعة الأوروبية، إذ تسعى كل دولة خليجية إلى بناء شبكة توفر لها التكنولوجيا والأسواق والعلاقات التي تحتاج إليها خططها الاقتصادية المحلية.
 

وتأخذ المنافسة السعودية الإماراتية بُعدًا أكثر مباشرة، إذ رأت سينزيا بيانكو، الباحثة الزائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي تحولت إلى منافسة تشمل الموارد الاقتصادية والتكنولوجيات الحيوية، مثل الذكاء الاصطناعي.
 

ومنذ 2024، تعمل السعودية على جذب الشركات متعددة الجنسيات عبر ربط جزء من العقود الحكومية بوجود مقرات إقليمية لها داخل المملكة، في سياسة تضغط على النموذج الذي جعل دبي وأبوظبي المركزين الرئيسيين لإدارة أعمال الشركات العالمية في المنطقة.
 

وتقول وزارة الخارجية الإماراتية، إن نحو ألفي شركة ألمانية تمتلك مكاتب في الإمارات، وتستخدم شركات عديدة منها الدولة منصة لخدمة أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. ومن ثم، تكتسب العلاقات الألمانية قيمة إضافية في المنافسة مع الرياض على مركز الأعمال الإقليمي.
 

وكلما تعمقت الملكية والاستثمارات والمشروعات المشتركة بين الشركات الألمانية والإماراتية، ازدادت الروابط التي تصل هذه الشركات بالسوق والمنصة الإماراتية، بما يدعم قدرة أبوظبي على الحفاظ على المكانة التي تسعى السعودية إلى اقتطاع جزء منها.
 

وتقدم الدوحة نموذجًا مشابهًا لتحويل الاستثمار الخارجي إلى مكاسب محلية. ففي فبراير 2026، رفعت هيئة قطر للاستثمار برنامج استثماراتها في صناديق رأس المال الجريء إلى 3 مليارات دولار.
 

وقال الرئيس التنفيذي للهيئة، محمد السويدي، إن عددًا من مديري الصناديق المشاركين يشجعون الشركات التابعة لمحافظهم الاستثمارية على إنشاء مقرات إقليمية في الدوحة. وتوضح هذه التجربة أن قيمة الاستثمار السيادي لا تقتصر على العائد المالي، وإنما تمتد إلى الشركات والمهارات والتكنولوجيا ومراكز اتخاذ القرار التي يستطيع جذبها إلى الاقتصاد المحلي.
 

 

كيف تنقل الإمارات الاستثمار من ألمانيا إلى الخليج؟
 

تظهر القيمة الأوسع لعمليات الاستحواذ الإماراتية عند النظر إلى وجهة الاستثمارات الصناعية التالية، وأوضح مثال على ذلك جاء من «كوفسترو» بعد أشهر من انتقال ملكيتها.
 

وفي 30 يونيو 2026، قال الرئيس التنفيذي ماركوس شتايلمان إن «كوفسترو» تخطط لتوسيع أعمالها في آسيا والخليج، وبدأت دراسة جدوى لإنشاء مصنع عالمي المستوى لإنتاج ثنائي إيزوسيانات ثنائي فينيل الميثيلين «MDI» في الرويس، المنطقة الصناعية الساحلية الواقعة غرب مدينة أبوظبي، مستفيدة من البنية التحتية الصناعية وتوافر المواد الأولية والطاقة منخفضة التكلفة، وهي عوامل قال إنها قد تجعل المنشأة من بين أكثر المصانع تنافسية عالميًا في إنتاج هذه المادة.
 

وتدرس «كوفسترو» استثمارات جديدة قد تصل إلى نحو 4 مليارات يورو موزعة بين الصين والإمارات. وفي الوقت نفسه، سيعتمد المصنع المقترح في الرويس على الخبرات والتقنيات التشغيلية التي طورتها الشركة عبر شبكتها الصناعية العالمية.
 

وتتضح هنا القيمة العملية للملكية الإماراتية؛ إذ يمكن نقل الخبرات الهندسية وتصميمات المصانع وشبكات العملاء التي تراكمت داخل شركة ألمانية إلى بناء طاقة إنتاجية جديدة داخل الإمارات، والاستفادة من الطاقة والمواد الأولية والموانئ، مع استهداف الأسواق العالمية.
 

وينسجم هذا المسار مع استراتيجية الإمارات «Operation 300bn»، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد إلى 300 مليار درهم بحلول 2031، إذ يتيح امتلاك شركة تمتلك التكنولوجيا والأسواق والمنتجات القائمة لأبوظبي طريقًا أسرع إلى الصناعات مرتفعة القيمة.
 

ويصبح الاستثمار المحتمل لـ«كوفسترو» في الرويس نموذجًا لما تستطيع أبوظبي تحقيقه عبر شراء موقع داخل الصناعة الأوروبية، ثم ربط نمو الشركة الجديدة بقاعدتها الصناعية وأسواقها الخارجية.
 

ويرتبط هذا الرهان بجهد أوسع لتنويع مصادر التكنولوجيا. وفي تحليل نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في 2026، رأى المجلس أن أوروبا ودول الخليج تستطيعان الاستفادة من التعاون لتقليل التعرض للضغوط الناتجة عن الصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.
 

وتحافظ الإمارات على علاقات تكنولوجية واقتصادية مع واشنطن وبكين، فيما توفر أوروبا مصدرًا إضافيًا للهندسة والملكية الفكرية والشركات الصناعية والأطر التنظيمية، ما يجعل العلاقة الأوروبية ركيزة ثالثة تزيد قدرة أبوظبي على التحرك بين الكتل التكنولوجية الكبرى.
 

ويظهر هذا النموذج بصورة أوضح في الصناعات الدفاعية. وقال ألبرت فيدال ريبي، الباحث في الصناعات الدفاعية والمشتريات بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن العلاقات الخليجية الأوروبية تنتقل من شراء المنتجات الجاهزة إلى الاستثمار والشراكات والإنتاج المحلي.
 

وفي مشروع مشترك بين مجموعة «EDGE» الإماراتية وشركة «ليوناردو» الإيطالية، تنتقل عمليات التصميم والتطوير والإنتاج والتدريب إلى الإمارات لخدمة السوق المحلية وأسواق تصدير محددة، في نموذج يوضح كيف يمكن للعلاقة مع شركة أوروبية أن تتحول إلى بناء قدرة صناعية داخل الخليج.
 

تصبح المنافسة في هذه الحالة مرتبطة بمكان بناء القدرات الصناعية الجديدة، بدءًا من خطوط الإنتاج والفرق الهندسية وصولًا إلى تدريب المهارات وحقوق الوصول إلى الأسواق الآسيوية والأفريقية.
 

ويكتسب استحواذ «كوفسترو» أهمية خاصة في هذا السياق، لأن الإمارات، بعد فترة قصيرة من انتقال ملكية الشركة، أصبحت موقعًا مرشحًا لأحد استثماراتها الكبرى المقبلة للنمو، ما يفتح المجال أمام نقل جزء من التوسع الصناعي المستقبلي إلى الخليج، مع بقاء الأصول والشبكة الصناعية الألمانية في مكانها.
 

تسعى أبوظبي إلى تحويل هذا المسار إلى توجه دائم عبر المجلس الألماني الإماراتي للاستثمار، الذي يربط الحكومتين والقطاع الخاص، ويحدد المشروعات القابلة للتنفيذ ويزيل العقبات، إلى جانب قناة استثمار مباشرة مع حكومة بافاريا.
 

ويمنح هذا الإطار الشركات الإماراتية مسارًا منتظمًا نحو فرص جديدة في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا، بدلًا من ارتباط التوسع بصفقات منفردة تظهر من وقت إلى آخر.
 

وفي المقابل، تشدد أوروبا الرقابة على الآثار التي قد تصاحب دخول رؤوس الأموال المدعومة من الدول إلى القطاعات الاستراتيجية. وكتب شتيفان رول في فبراير 2026 أن الملكية المباشرة للشركات والوصول إلى التكنولوجيا والبنية التحتية الاقتصادية والعلاقات مع الجهات المؤثرة توسع هامش الحركة المتاح للدول المالكة لرؤوس الأموال.
 

وظهرت هذه الحساسية في صفقة «كوفسترو»، إذ خلصت المفوضية الأوروبية إلى أن ضمانًا حكوميًا غير محدود ومزايا مرتبطة بـ«أدنوك» أثرت في شروط الاستحواذ والمنافسة.
 

وانتهت المراجعة بإدخال تغييرات على ترتيبات الضمان والتزامات بترخيص مجموعة من براءات اختراع «كوفسترو» المرتبطة بالاستدامة وفق شروط السوق. وقالت تيريزا ريبيرا، نائبة الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية، إن الإجراءات تستهدف استعادة التوازن التنافسي داخل السوق الأوروبية الموحدة.
 

وتضع هذه التطورات حزمة الـ40 مليار يورو في سياق يتجاوز مجرد شراء أصول ألمانية أو البحث عن عائد مالي. فتنخرط أبوظبي في صناعة أوروبية تحتاج إلى رأس المال، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الخليجية على الشركات والتكنولوجيا ومراكز الأعمال، ثم تعمل على ربط المعرفة والشبكات الصناعية التي تستحوذ عليها بمشروعها المحلي وأسواقها الإقليمية.
 

وتطرح هذه الاستثمارات كذلك سؤالًا يتجاوز العوائد الاقتصادية، وهو مدى النفوذ الذي قد تولده هذه المصالح الإماراتية داخل برلين مع مرور الوقت.
 

ويرى شتيفان رول أن صناديق الثروة السيادية الخليجية توسع قدرة دولها على التحرك في السياسة الخارجية، خصوصًا عندما تمتلك أصولًا استراتيجية أو تدخل في بنية تحتية يصعب استبدالها، لأن ذلك يمنحها قدرة على التأثير في قرارات الشركات أو رفع تكلفة الخلاف السياسي عبر التمويل والاستثمار.
 

وأشار رول، ضمن المخاطر التي تواجهها أوروبا، إلى إمكانية الوصول إلى البنية التحتية الحيوية وتسرب التكنولوجيا الحساسة و«خطر التأثير السياسي» من جانب دول الخليج. وتزداد حساسية هذا النوع من النفوذ عندما يصبح رأس المال السيادي جزءًا من شبكة أوسع تشمل التكنولوجيا والطاقة والأسواق.
 

وفي تحليلها للاستثمارات السعودية، ترى سينزيا بيانكو أن بعض التحركات الاقتصادية الخليجية تسعى إلى تحقيق عوائد تتجاوز الأرباح المالية، وقد تشمل دورًا أكبر في تصميم المشروعات أو تحقيق مكاسب في المصالح السياسية والاستراتيجية.
 

ودعت لذلك إلى إدارة الاعتماد المتبادل ووضع قيود أكثر وضوحًا حول التكنولوجيا الحيوية، في توجه يعكس مخاوف أوروبية أوسع بشأن النفوذ الذي قد يصاحب الملكية والاستثمارات السيادية طويلة الأجل.
 

وفي الحالة الإماراتية، يقدم بيتر سالزبوري، الباحث السابق في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»، تفسيرًا مهمًا لطريقة اتخاذ القرار في أبوظبي. ويصف شبكة مترابطة بصورة وثيقة تصل دوائر السياسة الخارجية والأمن بقيادات مؤسسات الاستثمار السيادي، بما يضع قادة المؤسسات الاقتصادية الكبرى داخل دائرة تنفيذ الرؤية الأوسع للدولة.
 

وتساعد هذه البنية على تفسير صعوبة التعامل مع رأس المال السيادي الإماراتي باعتباره منفصلًا بصورة كاملة عن أهداف الدولة الرامية إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والسياسية، وحماية طرق التجارة وترسيخ موقعها كمركز إقليمي.
 

وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ألمانيا مع توسع العلاقة إلى ما يتجاوز الاستثمار. وأُطلق في برلين وأبوظبي خلال زيارة بن زايد الأخيرة حوار استراتيجي يشمل الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والدفاع والأمن، إلى جانب مجلس مشترك للاستثمار يعمل على توسيع المشروعات بين الحكومتين والشركات.
 

ومع اتساع الاستثمارات الإماراتية في القطاعات الحساسة، تواجه برلين تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين حاجتها إلى رأس المال والطاقة والتكنولوجيا، وتجنب تحول هذا الاعتماد بمرور الوقت إلى مصدر ضغط على صناعة القرار السياسي أو بوابة أوسع إلى الأصول الاستراتيجية.

 

ويرى شتيفان رول أن التعامل مع الصناديق الخليجية ينبغي أن يدخل ضمن حسابات السياسة الخارجية والأمن الاقتصادي، وهو ما يضع حزمة الـ40 مليار يورو في إطار أوسع من قيمتها المالية، ويربطها بالسؤال حول حجم النفوذ الذي قد يتراكم كلما توسعت الملكية والمصالح المشتركة بين أبوظبي وألمانيا.

 

https://www-noonpost-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.noonpost.com/en/384057/?amp=1&amp_gsa=1&amp_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17893905254145&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&ampshare=https%3A%2F%2Fwww.noonpost.com%2Fen%2F384057%2F